روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
78
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقال بعضهم : أهل الصفوة معتكفون بأسرارهم عند الحي لا يؤثر عليهم من جريان الحوادث شيء لاستغراقهم في المشاهدة . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها أي : فلا تقربوا حدود الحقائق إلا بشرط آدابها بنعت المعرفة ، وحسن حقيقة الأدب ، وأيضا رشح الحق أحكام الربوبية حدود في مقام العبودية ، ليحجز العباد بها عن هتك أستار القربة ؛ لأن في بداية الحدود أسرار العبودية ، وفي نهايتها أسرار الربوبية ، منع الخلق بها عن الاطلاع على أسرار الأزلية لبقاء الأحكام والشرعية كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أظهر سر القدم بوصف الجبروت في النعوت والآيات ، لعل عباده يبصرون بسط سطوات عظمته ، ويخافون من عقوبته ، ويتركون أوصاف البشرية في ديوان الحقيقة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 189 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) أي : يسألونك طور أطيار بساتين الغيب عن نقصان هلال المشاهدة عند الفترة ، وزيادتها عند الكشوف بنعت تجلّي الأسرار ؛ لأنهم إذا غابوا في أوصاف أحكام العبودية احتجبوا بها عن رؤية مشهود الغيب ، وإذا خرجوا من وطنات أزمة الابتلاء ، رأوا في سماء اليقين نواد أنوار أقمار الصفات ، فتاهوا عند ذهاب عقولهم في مجلس الخاص تحت حضيض سوانح الكبراء ، وطاشوا في لهوب البليات من تراكم سحاب الوجد عند تدريها مزن الشوق ، فتحيروا بين المنزلين ، واستفتوا من أشرف خلق اللّه حسام حكم اللّه رئيس البرية محمد صلى اللّه عليه وسلّم عن مرسوم هذه الأوصاف كي يخلصوا عن أركان الشواهد بعد جمع الجمع في قلوبهم ، فأمر اللّه تعالى نبيه عليه السلام وقال : قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أي : لهذه الأحوال المتشتتة في كشوف عز السرمدية وذات الأبدية عيانا وغيبا لمواقيت الأرواح في طيرانها إلى أعلى المقامات على ترتيبها ، وظهور أوقات المواجيد ، وقصورها إلى عالم الصفات ، لشق اللّه تعالى كشف القربة على قدر شوق الشائقين حتى علموا أحكام العبودية في الربوبية ، والربوبية في العبودية على قدر بدء الأحوال ، وكشف الصفات ؛ لأن العارف محتاج إلى حقيقة علم الأحوال والآداب فيها ليستعملها بقدر وجدان أنوار القربة ، وصفات المشاهدة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 190 ] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 )